فصل: ذكر الأفدية بين المسلمين والروم:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: التنبيه والإشراف (نسخة منقحة)



.ذكر بنود الروم وحدودها ومقاديرها وما يتصل منها بالخليج وبحر الروم والخزر وما اتصل بذلك من اللمع المنبهة:

على ما تقدم من تأليفنا فيما سلف من كتبنا.
أرض الروم أرض واسعة في الطول والعرض آخذة في الشمال بين المشرق والمغرب، مقسومة في قديم الزمان على أربعة عشر قسماً: أعمال مفردة، تسمي البنود كما يقال: أجناد الشام؛ كجند فلسطين، وجند الأردن، وجند دمشق، وجند حمص، وجند قنسرين. غير أن بنود الروم أوسع من هذه الأجناد وأطول والروم يسمون بلادهم أرمانيا، ويسمون البلاد التي سكانها المسلمون في هذا الوقت من الشأم والعراق وسوريا.
والفرس إلى هذا الوقت تقارب الروم في هذه التسمية، فيسمون العراق والجزيرة والشأم سوستان إضافة إلى السريانيين الذين هم الكلدانيون ويسمون سريان ولغتهم سورية وتسميهم العرب النبط.
فالبند الأول الأفتي ماتي تفسير ذلك الأذن والعين وهو بند الناطليق أعظم بنود الروم فيه عمورية، أوله مما يلي بلاد الإسلام من الثغور الشامية حصن هرقلة وأول عمل الناطليق رستاق يعرف بغصطوبلي وفيه يقوم سوق البخور وهو سوق يقوم في السنة مرة.
البند الثاني بند الأبسيق فيه مدينة نيقية، أول عمل هذا البند غصطوبلي وآخره خليج القسطنطينية فهذان البندان من دار الإسلام إلى خليج القسطنطينية في الطول يكون أميالاً أربعمائة ميل وأربعة وثلاثين ميلاً.
البند الثالث يسرة الناطليق ويعرف بترقسين وهو بند أفسيس مدينة أصحاب الكهف ومدينة زمرني، أخرج هذا البند عدة من الحكماء في سالف الزمان فلاسفة وأطباء، فمن الأطباء روفس الأفسيسي له مصنفات كثيرة في الطب وجالينوس يمدحه في كثير من كتبه ويذم روفس الينيطي، وهذا البند متصل ببحر الروم والشأم.
البند الرابع بند بنطيليا وهي دقابلي يتصل بالبحر الرومي أيضاً وفي آخر هذا البند عمل سلوقية وحصن بوقيةواللامس، الذي يكون فيه الفداء بين المسلمين والروم ومنه إلى طرسوس خمسة وثلاثون ميلاً وهو بند ضيق وحروب المسلمين عليه براً وبحراً فهذان البندان متصلان من دار الإسلام على البحر الرومي إلى خليج القسطنطينية أيضاً يكون طولهما ثلاثمائة ميل وخمسة وستين ميلاً.
البند الخامس بند القباذق وهو يمنة عمورية فيه قرة وحصن يدقسي وحصن سلندو وذو الكلاع- واسمه بالرومية كوبسطرة- وقونية ووادي سالمون ووادي طامسة، وأول عمل هذا البند مما يلي الثغور الشأمية مطمورة تعرف بماجدة من قلعة لؤلؤة على نحو عشرين ميلاً وآخره نهر آلس وتفسير آلس بالعربية نهر الملح وهو نهر مقلوب يجري مما يلي الجنوب مستقبلاً للشمال كنيل مصر ومهران السند ونهر أنطاكية المعروف بالأرنط وما عدا ذلك من الأنهار الكبار فمصبها كلها من الشمال إلى ناحية الجنوب لارتفاع الشمال على الجنوب وكثرة مياهه وقد أتينا على علة ذلك فيما سمينا من كتبنا.
البند السادس بند البقلاّر وهو بند عمل أنقرة وأول عمل أنقرة نهر آلس وهو آخر عمل القباذق وآخر عمل البقلار بحر الخزر الذي هو بحر مايطس فهذان البندان متصلان من دار الإسلام إلى بحر الخزر في الطول يكون أميالاً أربعمائة ميل وخمسة وأربعين ميلاً، وليس للروم أطول من بند البقلار هذا، ولا أكثر رجالة منه.
البند السابع بند الأفطماط وهو عمل نقمودية، وهو بند مربع بين البقلار والأبسيق وآخر عمل هذا البند خليج القسطنطينية، وعرض الخليج هناك ميل ويسمى ذلك الموضع إلى هذا الوقت أقروبلي. وقد قدمنا صفة ذلك فيما سلف من هذا الكتاب في ملك قسطنطين بن هيلاني عند ذكر بنائه القسطنطينية ووصف خليجها والعدوات الست التي عليه البند الثامن بند الأرمنياق يمنة البقلار؛ وهو عمل ماسية وفي طرف هذا البند عمل خرشنة، وآخره بحر مايطس الذي يسميه كثير من الناس بحر الخزر وإنما هو متصل به لأن بحر الخزر هو الذي عليه دور الأعاجم كالباب والأبواب وموقان والجبل والديلم، وآبسكون ساحل جرجان؛ وإليهم ساحل آمل قصبة طبرستان على ما قدمناه فيما سلف من هذا الكتاب عند إخبارنا عن البحار وترتيبها وما يصب إليها من كبار الأنهار.
البند التاسع بند فلاغونية وهو يمنة الأرمنياق وفي طرفه عمل قلونية، فهذه تسعة بنود دون الخليج ما يلي الثغور الشأمية والجزرية وغيرها من بلاد الإسلام، والخمسة الباقية من البنود وراء الخليج متصلة بالقسطنطينية وهي بند طابلا ومنه القسطنطينية حده من جهة المشرق الخليج الآخذ من بحر الخزر إلى بحر الشأم ومن القبلة بحر الشأم، ومن المغرب سور ممدود من بحر الشأم إلى بحر الخزر يسمى مقورن تيخس تفسيره السور الطويل، طوله مسيرة أربعة أيام وبينه وبين القسطنطينية يومان وأكثر هذا البلد ضياع الملك والبطارقة، ومروج المواشي بند تراقية بند مقدونية بند بلبونيسة تفسير ذلك الجزائر الكثيرة، وقيل البلدان الكثيرة وهو غربي القسطنطينية فيه خرقيذية ومثونية وقرنتو وأثينس وهي مدينة أرسطاطاليس بن نيقوماخس وثاوفرسطس، ودار أرسطاطاليس فيها بينة إلى هذا الوقت معروفة معظمة بند سالونيكة التي افتتحها لاون غلام زرافة في البحر سنة 29 في خلافة المكتفي وهي مدينة عظيمة بنيت قبل القسطنطينية بناها الإسكندر بن فيلبس الملك وقد غلبت البرغر وأجناس من الترك بدو يسمون الولندرية إضافة إلى مدينة في أقاصي ثغور الروم مما يلي المشرق تعرف بولندر وهم بجناك ويجني وبجغرد ونوكبردة على أكثر هذه البنود الخمسة وذلك بعد العشرين والثلاثمائة وخيموا هناك ومنعوا الطريق من القسطنطينية إلى رومية وهي مسافة نحو أربعين يوماً وأخربوا أكثر ما هناك من العمائر، واتصلت غاراتهم بالقسطنطينية فلا وصول لمن في القسطنطينية إلى رومية في هذا الوقت إلا في البحر، وإنما العمارة بينهما مما يلي القسطنطينية مسيرة أيام كثيرة وقد ذكرنا في كتاب فنون المعارف، وما جرى في الدهور السوالف السبب في انتقال هذه الأجناس الأربعة منالترك عن المشرق وما كان بينهم وبين الغزية والخرلخية، والكيماكية من الحروب والغارات على البحيرة الجرجانية، وإليها يصب نهر جيحون ونهر الشاش وفرغانة وبلاد الفاراب تجري فيها السفن البار من بلاد خوارزم إلى بلاد الشاش وغيرها بأنواع التجارات على ما قدمنا فيما سلف من هذا الكتاب، وليس في المعمور أكبر منها لأنها مسيرة شهر في مثل ذلك، وقيل أكثر على ما قدمنا وماؤها عذب ويليها في العظم بحيرة المارزبون بأرض الروم، وسبب مسيرهم إلى هذه الديار. وكان صاحب رومية منقاداً إلى صاحب القسطنطينية مطيعاً له ممتثلاً لأمره لا يلبس تاجاً ولا يتسمى بالملك على ذلك جرت رسومهم قديماً قبل ظهور الإسلام إلى نحو سنة 340 للهجرة فإن صاحب رومية قوي أمره وكثرت جموعه، فلبس التاج والثياب الفرفير والخفاف الحمر وغير ذلك مما يختص به ملك الروم وتسمى ملكاً فلما بلغ قسطنطين بن أليون الملك على الروم في هذا الوقت ذلك أنفذ إليه الجيوش فعادت إليه منكوبة مهزومة فكاتبه حينئذ ورضي منه بالمسألة وقد كان جرى بينهما مصاهرة قبل هذه المنابذة؛ زوج ملك رومية ابنته بأرمانوس بن قسطنطين وحملها إليه وجهزها بأفخر ما تجهز به بنات الملوك وأعظمه قدراً فهلكت عنده وسائر أجناس الإفرنجية من الجلالقة والجاسقس والوشكنس وأرمانجس وأكثر الصقالبة والبرغر وغيرهم من الأمم فدائنون بالنصرانية منقادون إلى صاحب رومية، ورومية دار مملكة الإفرنجة العظمى قديماً وحديثاً وقد ذكر ذلك أرسطاطاليس في رسالته إلىالإسكندر التي يحرضه فيها على المسير لحرب دارا بن دارا ملك فارس فقال إنك أيها الملك قد رأيت أمارات الظفر عند مسيرك أولاً إلى الإفرنجة، فإن مشايخهم الذين كانوا على تخوم بلادهم؛ لما دنوت منهم أسلموا أطراف بلادهم والتجئوا إلى مدينتهم العظمى رومية.
قال المسعودي: وكانت مساكن الروم واليونانيين متجاورة كمجاورة سكان العراق وهم النبط للفرس سكان فارس والأهواز وأرض الجبال من الماهات وغيرها على ما ذكرنا فيما سلف من هذا الكتاب في باب الأمم السبع قبل تجيل الأجيال وتحزب الأمم، إلى أن غلبت الروم على دار اليونانيين، وصار الجميع روما كغلبة الفرس على مملكة النبط غير أن كل فريق منهم يحفظون أنسابهم يرجعون إلى شعوبهم، وقد ذكرنا في أخبار اليونانيين من كتاب فنون المعارف، وما جرى في الدهور السوالف، أنه هذه البنود التسعة التي تلي أرض الإسلام في هذا الوقت كانت ديار اليونانيين فإلى وراء الخليج بأيام وكانت ديار الروم ما وراء ذلك إلى ما وراء بلاد رومية وأرض الإفرنجة براً وبحراً، وذلك نحو من خمسمائة فرسخ إلى أن تتصل بحر أوقيانس المحيط وبلاد الأندلس، وأتينا على أخبار هذه البنود ومقاديرها وما يتصل منها بالبحر وما لا يتصل، وما فيها من الحصون العظام والمواني والبحيرات والأنهار والهوتات والحمات. وما وطئ منها المسلمون في أيام مغازيهم إلى هذا الوقت المؤرخ به كتابنا وحدودها، وبماذا التنازع في أسمائها، وإلى ماذا أضيفت وولاتها ومراتبها ومواضعها وسماتهم ومقادير جيوشهم، ومن يحاربهم من الأمم في البر والبحر، وما استرجعوه مما كان المسلمون غلبوا عليه من بلادهم؛ كملطية وشمشاط وحصن منصور وقلعة إبريق التي كانت مدينة البيالقة وكان بها عدة من بطارقتهم منهم قريباس مولى آل طاهر بن الحسين وخرسخارس وغيرهما ومدينة سيحان التي يخرج منها العيون التي هي أصل نهر سيحان وهو نهر أذنة من الثغر الشأمي وغير ذلك من الثغور الجزرية فإلى بلاد قاليقلا، وما يتصل بذلك من المشرق والشمال كأرمينية وغيرها والحصون التي عمرت مما كان المسلمون أخربوه في أول الإسلام مما يلي الثغور الشأمية وما غلبت عليه البرغر وبجناك من الترك وغيرهم من الولندرية من ثغور الروم في هذا الوقت، وخبر السور المسمى بالرومية مقرون تيخس تفسير ذلك السور الطويل كما ذكرنا آنفاً الحاجز بين بلاد برجان وبين البنود الخمسة التي وراء القسطنطينية المبني في سالف الدهر بين جبلين عظيمين وهو دون النهر العظيم المسى بالصقلبية دنابي وعرضه نحو من ثلاثة أميال على ما قدمنا ذكره وعليه كثير من البرغر والصقالبة وغيرهم من الأمم الواغلين في الشمال وقول من قال إنه جيحون نهر بلخ على ما ذكرناه فيما سلف من هذا الكتاب في أخبار أنهار العالم الكبار ومصباتها في البحار وغير ذلك من أخبار الروم وبلادهم وإنما ذكرنا في هذا الكتاب لمعاً استذكاراً لما تقدم تصنيفه وتنبيهاً على ما سلف تأليفه وذكرنا فيما تقدم من كتبنا سائر الممالك والأمم ومساكنهم وملوكهم وسيرهم وسياساتهم وحروبهم ووجوه عباداتهم ممن سكن المشرق والمغرب والشمال والجنوب كالهند والصين والترك والخزر واللان، ومن سكن جبل القبق من اللكز ومن جاور الباب والأبواب وقرب من هذا الجبل من الأمم كاللان والسرير والخزر وجرزان والأبخاز والصنارية وكشك والكاسكية وغيرهم والأبر وبرجان والروس والبرغر والإفرنجة والصقالبة وأجناس السودان مع اختلاف ديارهم وبنائهم وتباينهم في مساكنهم ولغاتهم وأخبار مصر والإسكندرية وملوكها ونيلها وما عليه من ممالك الكوشانيين وهم ولد حام بن نوح وأخبار الكلدانيين وهم السريانيون المسمون النبط وأخبار بني إسرائيل وأنبيائهم وملوكهم ورؤسائهم وقوامهم والأربعة والعشرين كتاباً التي تجتمع اليهود والنصارى عليها تسميها اليهود الكتب الجامعة والنصارى كتب الصورة- والصورة القديمة اثنا عشر منها صغار واثنا عشر كبار، وتسمى أيضاً كتب الأنبياء منها التوراة خمسة أسفار وليس تقرأ النصارى في الكنائس من التوراة إلا السفر الأول وهو الخليقة، وغير ذلك مما تقدم عنها وتأخر.
وأخبار العرب البائدة كعاد وعبيل ابني عوص بن أرم بن سام بن نوح، وثمود وجديس ابني عابر ابن أرم بن سام، وعمليق وطسم ابني لاود بن أرم ابن سام ابن نوح، ووبار بن أميم بن لاود بن أرم بن سام بن نوح، وجرهم بن قحطان بن عابر بن شالخ بن أرفخشذ بن سام، وعبس بن ضخم بن عبد بن هرم بن عابر بن أرم بن سام وغيرهم وتفرقهم عن أرض العراق بعد تبلبل الألسن، وما كان من قضية المجدل وما ارتجز به كل فريق منهم، وأخبار العرب الباقية من معد وقحطان وأنسابهم وأخبار ملوكهم، وأخبار ملوك حمير من التبابعة وغيرهم والتنازع في كمية أعدادهم، ومن قال إنهم سبعون تبعاً واستشهد بقول عبد الرحمن بن حسان بن ثابت أو النعمان بن بشير الأنصاريين:
لنا من بني قحطان سبعون تبعاً ** أقرت لها بالخرج منها الأعاجم

وقول من قال أقل من ذلك وأكثر والسبب الذي به سموا التبابعة ومن قال أن هذه السمة لم يكن يستحقها منهم إلا من ملك اليمن وحضرموت واجتمعت له طاعتهم، ومن رأى أنه إنما قيل للملك منهم تبع تشبيهاً بالظل الذي يتفيأ به وأن التبع في أصل اللغة الظل إذ كان الملوك السعداء ظلاً لرعيتهم وكهفاً لها وملجأ، واستشهادهم بقول ليلى الجهنية، وقيل قول سعدي الجهنية:
يرد المياه حضيرة ونفيضة ** ورد القطاة إذا اسمأل التبع

يعني ارتفع الظل وقيل لمعان غير ذلك، ومن سار منهم في البلاد ووطئ الممالك ووصاياهم وعهودهم وحكمهم ومغازيهم من لدن حمير وهو الغرنجج ويسمى أيضاً زيد بن سبأ وهو عبد شمس، إلى زوال نظامهم، وانقضاء ملكهم بغلبة الحبشة عليهم والتنازع في مدة ما ملكوا من السنين من مكثر ومقلل وأقل ما قيل في مدة ملكهم ما حكاه محمد بن موسى الخوارزمي في زيجه في النجوم وغيرهم أن ذلك ألف وتسعمائة سنة وثمان وثلاثون سنة ومن تلاهم من ذوي المراتب الملوكية كالأقيال والأذواء والمثامنة والعباهلة وغيرهم، وقيل أن الأذواء لم تكن مرتبة، وإنما هي سماة لملوكهم، كذي الأذعار، وذي المنار، وذي يزن، وذي رعين، وذي نواس، وذي كلاع، وذي أصبح، وغيرهم ومن ملكته الروم من اليمن بالشأم من تنوخ والضجاعم من سليخ بن حلوان بن عمران بن الحاف بن قضاعة وغسان استكفاء بهم من يليهم من بادية العرب أولهم جفنة بن عمرو مزيقياء بن عامر ماء السماء بن حارثة بن امرئ القيس بن ثعلبة بن مازن بن الأزد، وآخرهم جبلة بن الأيهم بن جبلة بن الحارث بن ثعلبة بن عمرو بن جفنة الذي لحق بالروم بعد فتوح الشأم ومن ملكته الفرس بالحيرة من أرض العراق من بني نصر بن لخم من النعامنة والمناذرة وهم ولد عمرو بن عدي بن نصر بن ربيعة بن عمرو بن الحارث بن سعود بن مالك بن غنم بن نمارة بن لخم واسمه مالك بن عدي ابن الحارث بن مرة بن أدد بن زيد بن كهلان ليكفوا بهم من يليهم من بوادي العرب أيضاً وآخرهم النعمان بن المنذر الذي قتله كسرى أبرويز وملك الحيرة بعده أياس بن قبيصة الطائي وغيره إلى أن جاء الله بالإسلام وكان عدة من ملك الحيرة من بني نصر والعباد وغسان وتميم وكندة والفرس وغيرهم نيفاً وعشرين ملكاً ملكوا خمسمائة سنة واثنتين وعشرين سنة وشهوراً، وعمروا بن عدي هو صاحب المثل السائر كبر عمرو عن الطوق وهو ابن أخت جذيمة الأبرش الذي قتلته الزباء ابنة عامر بن ظرب وجذيمة صاحب النديمين الذين يضرب بهما المثل، وفيهما قال متمم بن نويرة اليربوعي في مرثيته أخاه مالك بن نويرة:
وكنا كندماني جذيمة حقبة ** من الدهر حتى قيل لن يتصدعا

فلما تفرقنا كأني ومالكاً ** لطول اجتماع لم نبت ليلة معا

ومن ملك من كندة على معد وغيرها أولهم معاوية بن ثور بن مرتع وهو من كندة وآخرهم حجر بن الحارث بن عمرو أبو امرئ القيس بن حجر، وهو الذي قتله بنو أسد بن خزيمة، وأخبار ولد نزار بن معد بن عدنان بن أد بن أدد ابن الهميسع بن تيمن بن نبت بن إسماعيل بن إبراهيم- ربيعة ومضر وهما الصريحان من ولد إسماعيل بن إبراهيم- وإياد وأنمار مع تنازع النساب فيهما من اليمن هم أم من نزار واستشهاد من ألحق إياداً بنزار بقول أبي داود جويرية بن الحجاج الإيادي:
وفتو حسن أوجههم ** من إياد بن نزار بن معد

وبقول الكميت بن زيد الأسدي:
إياد حين تنسب من معد ** وإن رغمت أنوف الراغمينا

وكانوا في الذؤابة من نزار ** وأهل لوائها مترزنينا

وقول نساب اليمانية إنه إياد بن أحاظة بن سعد من حمير، واستشهاد من ألحق أنماراً بنزار بقول الكميت أيضاً:
وأنمار وإن رغمت أنوف ** معديو العمومة والخؤول

لهم لغة تبين من أبيهم ** مع الغر الشوادخ ذي الحجول

وقل اليمن إنه أنمار بن أراش بن الغوث وهو الأزد بن نبت بن مالك ابن زيد كهلان وأنه ولد له سبعة من الذكور فخمسة منهم يدعون بجيلة وواحد يدعى خثعماً، وواحد ينسب والده إلى الأزد.
وسبب تفرق هذه القبائل وغيرها من معد عن الحجاز، وما قالته نساب القحطانية فيمن تخلج وتنقل عن قبائلهم إلى معد وانتسبوا فيهم، وما قالته نساب المعدية فيمن تخلج أيضاً وتنقل عن قبائلهم إلى قحطان والسبب الذي لأجله انقادت القحطانية إلى تمليك الملوك عليها وأبت المعدية ذلك، إلى أن جاء الله بالإسلام، ولم سمت القحطانية أنفسها ومن تقدمها من العرب البائدة العرب العاربة وسموا معداً العرب المتعربة، وغير ذلك من فنون الأخبار وضروب السير والآثار، على الشرح والإيضاح قال المسعودي: فإذ ذكرنا اليونانيين وملوكهم وغلبة الروم عليهم ودخولهم في جملتهم، وملوك الروم على طبقاتهم من الحنفاء والمتنصرة قبل ظهور الإسلام وبعده إلى وقتنا هذا وهو سنة 345 فلنذكر الآن ما كان من الأفدية والهدن بين الروم والعرب في أيام ولد العباس إذ لم يكن في أيام بني أمية فداء معروف مشهور فنذكره بل كان يفادى بالنفر بعد النفر في سواحل الشأم ومصر والإسكندرية وبلاد ملطية وغيرها من الثغور الجزرية، إذ كانت أموية والثغور الشأمية عباسية.

.ذكر الأفدية بين المسلمين والروم:

الفداء الأول: فداء أبي سليم كان أول فداء جرى في أيام ولد العباس في خلافة الرشيد باللامس من ساحل البحر الرومي على نحو من خمسة وثلاثين ميلاً من طرسوس سنة 189 والملك على الروم نقفور بن استبراق يقال أنه فودي بكل أسير كان بأرض الروم من ذكر وأنثى فيما ظهر، وذلك على يد القاسم ابن الرشيد باسمه، وهو معسكر بمرج دابق من بلاد قنسرين من أعمال حلب وفيه قيل:
يا أيها النفر الغزا ** ة النازلون بمرج دابق

أني لغاز لو ترك ** ت إلى حبيب لي موافق

حضر هذا الفداء وقام به أبو سليم فرج خادم الرشيد المتولي له بناء طرسوس ف سنة 171 للهجرة وسالم البرلسي البربري مولى بني العباس في ثلاثين ألفاً من المرتزقة، وحضره من أهل الثغور وغيرهم من أهل الأمصار وغيرهم نحو من خمسمائة ألف، وقيل أكثر من ذلك بأحسن ما يكون من العدد والخيل والسلاح والقوة، قد أخذوا السهل والجبل وضاق بهم الفضاء. وحضرت مراكب الروم الحربية بأحسن ما يكون من الزي ومعهم أسارى المسلمين، وكان عدة من فودي به م المسلمين في اثني عشر يوماً ثلاثة آلاف وسبعمائة، وقيل أكثر من ذلك وأقل. والمقام باللامس نحو من أربعين يوماً قبل الأيام التي وقع الفداء فيها وبعدها. وإنما نذكر في كل فداء يرد فيما بعد هذا الفداء الأيام التي وقع فيها الفداء لا مدة مقام الناس باللامس، إذ كان يطول ويقصر وفي هذا الفداء يقول مروان بن أبي حفصة في كلمة له طويلة يمدح بها الرشيد:
وفكت بك الأسرى التي شيدت لها ** محابس ما فيها حميم يزورها

على حين أعيا المسلمين فكاكها ** وقالوا سجون المشركين قبورها

الفداء الثاني: فداء ثابت في خلافة الرشيد أيضاً باللامس في سنة 192 والملك على الروم نقفور بن استبراق أيضاً، وكان القيم به ثابت بن نصر بن مالك الخزاعي أمير الثغور الشأمية، حضره مئو ألوف من الناس، وكان عدة من فودي به من المسلمين في سبعة أيام ألفين وخمسمائة ونيفاً من ذكر وأنثى الفداء الثالث: فداء خاقان في خلافة الواثق باللامس في المحرم سنة 231 والملك على الروم ميخائيل بن توفيل وكان القيم بن خاقان الخادم التركي وعدة من فودي به من المسلمين في عشرة أيام أربعة آلاف وثلاثمائة واثنين وستين من ذكر وأنثى، وقيل أربعة آلاف وسبعة وأربعين على ما في كتب الصوائف، وقيل أقل من ذلك.
وفي هذا الفداء أخرج أهل زبطرة، وفيه خرج مسلم بن أبي مسلم الجرمي، وكان ذا محل في الثغور ومعرفة بأهل الروم، وأرضها، وله مصنفات في أخبار الروم وملوكهم وذوي المراتب منهم، وبلادهم وطرقها ومسالكها، وأوقات الغزو إليها والغارات عليها، ومن جاورهم من الممالك من برجان والأبر والبرغر والصقالبة والخزر وغيرهم وحضر هذا الفداء مع خاقان رجل يكنى أبا رملة، من قبل أحمد بن أبي داود قاضي القضاة يمتحن الأسارى وقت المفاداة، فمن قال منهم بخلق التلاوة، ونفى الرؤية فودي به وأحسن إليه، ومن أبى ترك بأرض الروم، فاختار جماعة من الأسارى الرجوع إلى أرض النصرانية على القول بذلك، وأبى أن يسلم الانقياد إلى ذلك، فنالته محن ومهانة إلى أن تخلص الفداء الرابع: فداء شنيف في خلافة المتوكل باللامس في شوال سنة 241 والملك على الروم ميخائيل بن توفيل، وكان القيم به شنيف الخادم مولاه، وحضر جعفر بن عبد الواحد الهاشمي القرشي القاضي، وعلي بن يحيى الأرمني صاحب الثغور الشأمية فكان عدة من فودي به من المسلمين في سبعة أيام ألفين ومائتي رجل، وقيل ألفي رجل ومائتي امرأة، وكان مع الروم من النصارى المأسورين من أرض الإسلام مائة رجل ونيف فعوضوا مكانهم عدة أعلاج، إذ كان الفداء لا يقع على نصراني ولا ينعقد الفداء الخامس: فداء نصر بن الأزهر وعلي بن يحيى في خلافة المتوكل أيضاً باللامس مستهل صفر سنة 246 والملك على الروم ميخائيل بن توفيل أيضاً وكان القيم به علي بن حيى الأرمني أمير الثغور الشأمية ونصر بن الأزهر الطائي الشيعي من شيعة ولد العباس المراسل إلى الملك في أمر هذا الفداء من قبل المتوكل وعدة من فودي به من المسلمين في سبعة أيام ألفان وثلثمائة وسبعة وستون من ذكر وأنثى وقد ذكر بعض من لحقنا أيامه من مصنفي الكتب في الكوائن والأحداث والسير والتواريخ أن فداء كان في أيام المعتز، والملك على الروم بسيل على يد شفيع الخادم في سنة 253 الفداء السادس: فداء ابن طغان في خلافة المعتضد باللامس في شعبان سنة 283 والملك على الروم أليون بن بسيل أبو قسطنطين بن أليون الملك على الروم في وقتنا هذا وكان القيم به أحمد بن طغان أمير الثغور الشأمية وأنطاكية من قبل أبي الجيش خمارويه بن أحمد بن طولون صاحب مصر وأجناد الشأم وديار مضر وغيرها وكانت الهدنة لهذا الفداء وقعت في أيام أبي الجيش في سنة 282 فقتل أبو الجيش بدمشق في ذي القعدة من هذه السنة، وتم الفداء في أيام ولده جيش ابن خماروية فكان عدة من وفدي به من المسلمين في عشرة أيام ألفين وأأربعمائة وخمسة وتسعين من ذكر وأنثى، وقيل ثلاثة آلاف رجل الفداء السابع: فداء رستم ويعرف بفداء الغدر في خلافة المتفي باللامس في ذي القعدة سنة 292 والملك على الروم أليون بن بسيل أيضاً، القيم به رستم ابن بردو الفرغاني أمير الثغور الشأمية، وكان عدة من فودي به من المسلمين في أربعة أيام ألفاً ومائة وخمسة وخمسين من ذكر وأنثى، ثم غدر الروم وانصرفوا ببقية الأسارى الفداء الثامن: فداء رستم أيضاً ويعرف بفداء التمام في خلافة المكتفي أيضاً باللامس في شوال سنة 295 والملك على الروم أليون أيضاً- القيم به رستم بن بردو، وكان عدة من فودي به من المسلمين ألفين وثمانمائة واثنين وأربعون من ذكر وأنثى الفداء التاسع: فداء مؤنس في خلافة المقتدر باللامس في شهر ربيع الآخر سنة 305 والملكان على الروم قسطنطين بن أليون ملكهم في وقتنا هذا وأرمانوس. وقسطنطين يومئذ صغير في حجره، وكان القيم به مؤنس الخادم وبشرى الخادم الأفشيني أمير الثغور الشأمية وأنطاكية، والمتوسط له والمعاون عليه أبو عمير عدي بن أحمد بن عبد الباقي التميمي الأذني، وعدة من فودي به من المسلمين في ثمانية أيام ثلاثة آلاف وثلاثمائة وستة وثلاثون من ذكر وأنثى الفداء العاش: فداء مفلح في خلافة المقتدر أيضاً باللامس في رجب سنة 313 والملكان على الروم قسطنطين وأرمانوس وكان القيم به مفلح الخادم الأسود المقتدري وبشرى خليفة ثمل الخادم الدّلفى على الثغور الشأمية، وعدة من فودي به من المسلمين في تسعة عشر يوماً ثلاثة آلاف وتسعمائة وثلاثة وثمانون من ذكر وأنثى.
الفداء الحادي عشر: فداء ابن ورقاء في خلافة الراضي باللامس في سلخ ذي القعدة وأيام من ذي الحجة سنة 326 والملكان على الروم قسطنطين وأرمانوس وكان القيم به ابن ورقاء الشيباني من قبل الوزير الفضل بن جعفر بن الفرات وبشرى الثملي أمير الثغور الشأمية وكان عدة من فودي به من المسلمين في ستة عشر يوماً ستة آلاف وثلاثمائة ونيفاً من ذكر وأنثى، وفضل في أيدي الروم من المسلمين ثمانمائة رجل ردوا وفودي بهم على نهر البدندون في مرارشتى، وزيد في الهدنة بعد انقضاء الفداء مدة ستة أشهر، لأجمل من تخلف في أيدي الروم من المسلمين، حتى جمع الأسارى لهم الفداء الثاني عشر: فداء ابن حمدان في خلافة المطيع باللامس في شهر ربيع الأول سنة 335 والملك على الروم قسطنطين وكان القيم به نصر الثملي أمير الثغور الشأمية من قبل أبي الحسن علي بن عبد الله بن حمدان صاحب جند حمص وجند قنسرين وديار مضر وديار بكر والثغور الشأمية والجزرية وكان عدة من فودي به من المسلمين ألفين وأربعمائة واثنين وثمانين من ذكر وأنثى وفضل للروم على المسلمين قرضاً مائتان وثلاثون، لكثرة من كان في أيديهم، فوفاهم أبو الحسن ذلك وحمله إليهم وكان الذي شرع في هذا الفداء وابتدأ به الإخشيذ محمد بن طغج أمير مصر والشأم والثغور الشأمية، وكان أبو عمير عدي بن أحمد بن عبد الباقي الأذني شيخ الثغر والمنظور إليه منهم قدم إليه إلى دمشق في ذي الحجة سنة 334 ونحن يومئذ بها ومعه يوانس الأنسيبطوس البطريقوس المسدقوس المترهب، رسول ملك الروم في إتمام هذا الفداء، وكان ذا رأي وفهم بأخبار ملوك اليونانيين والروم، ومن كان في أعصارهم من الفلاسفة، وقد أشرف على شيء من آرائهم والإخشيذ حينئذ شديد العلة فتوفي يوم الجمعة لثمان خلون من ذي الحجة من هذه السنة وسار أبو المسك كافور الإخشيذي بالجيش راجعاً إلى مصر، وحمل معه أبا عمير والمسدقوس إلى بلاد فلسطين، فدفع إليهما ثلاثين ألف دينار من مال هذا الفداء، وصارا إلى مدينة صور فركبا في البحر إلى طرسوس فإلى ما وصلا إليها كاتب بشرى الثملي أمير الثغور الشأمية أبا الحسن بن حمدان ودعا له على منابر الثغور الشأمية، فجد في إتمام هذا الفداء فعرف به ونسب إليه قال المسعودي وهذا آخر فداء كان بين المسلمين والروم إلى وقتنا المؤرخ به كتابنا، وقد ذكرت أفدية غير هذه لم نجد لها حقيقة؛ لا اشتهر أمرها، ولا استفاض خبرها منها فداء كان في أيام المهدي على يد المعروف بالنقاش الأنطاكي، ومنها فداء كان في أيام الرشيد في شوال سنة 181 على يد عياض بن سنان أمير الثغور الشأمية، وفداء كان على يد ثابت بن نصر في أيام الأمين في ذي القعدة سنة 194، وفداء كان في أيام المأمون في ذي القعدة سنة 201 على يد ثابت أيضاً، وفداء كان في أيام المتوكل سنة 247 على يد محمد بن علي، وفداء كان في أيام المعتمد في شهر رمضان سنة 258 على يد شفيع ومحمد بن علي والصحيح منها والمعول عليه هو ما رسمناه دون ما عداه، وقد ذكرنا في كتاب فنون المعارف، وما جرى في الدهور السوالف وفي كتاب الاستذكار، لما جرى في سالف الأعصار شرح هذه الأفدية ومن حضرها وكيفية وقوعها ومن ترسل فيها وتوسطها بين المسلمين والروم وشروطها ومقادير النفقات فيها وهدنها وما كان بين المسلمين والروم من المغازي في البر والبحر من الصوائف والشواتي والربيعيات وما جرى بين الروم وبرجان والبرغر والترك وغيرهم من الوقائع المشهورة والحروب المذكورة، وغير ذلك فلنذكر الآن جامع تاريخ العالم والأنبياء والملوك وما اتصل بذلك.